الجمعة، 12 سبتمبر، 2008

أدبيات أرض الحرب _ 2

يتيمة

هل تعرف ماذا تعني كلمة يتيم ؟؟!
نعم . إنه ذلك الذي فقد أبويه أحدهما أو كلاهما
لايذهب تفكيرك إلي بيت الشعر القائل بأن اليتيم من له أم تخلت أوأب مشغولا ، لا وقت هنا للتخلي أو الإنشغال ، فاليتم هنا لامعني له سوي موت الأم أوالأب في ظروف يحتاج فيها المرء لكل الناس من حوله ولا أحد منهم يهتم به أو يكترث لأمره .
ولكن ، هل تدرك ماذا تعني طفلة في الثانية من عمرها فقدت أبويها في مثل تلك الظروف التي تمر بها البلدة حيث سيضع أي شخص أولاده تحت قدميه لينجو من الهلاك ؟؟؟؟؟
فما بالك بمن ليس له أي عون أوسند في هذه الدنيا القاسية ؟؟؟
ومابالك بمن تركها أبواها في قلب الجحيم بين مخالب الموت ومضوا في هدوء ؟؟؟ !!!

كنت أجري صوب منزلي وبأقصي سرعة ممكنة في ظل الهرج السائد في المدينة وتدافع كل شخص في أي اتجاه كي ينج بنفسه ، كان أمامي منعطفان وأصل لذلك المنزل الذي أمكث فيه ، كنت الوحيد الذي ليس له أهل هنا ، كل ما كنت أسعي إليه هو دفاتري وصوري وتلك الكاميرا التي لم يعد لي سواها فقد كنت كاتبا بدرجة محارب ، أقضي النهار في الكروالفر وأعود في الليل لأسطر وأسجل كل مادار بالنهار علّه يأتي اليوم الذي أستطيع فيه أن أعلن الحقيقة ، ولكن في هذا اليوم كان لابد أن أتخلي عن موقعي وأعود إلي البيت لأجلب تلك الأشياء لعلي أستطيع تهريبها مع أي من الأهالي والذين من المفروض أنه تم تأمين ممرا آمنا لعبورهم ، فقد كان الهرب من المدينة والتخلي عن مكاني في ظل تلك الظروف هو آخر مايمكن أن أفكر فيه ولو قدر للحقيقة أن تموت معي .

أخيرا وصلت للبيت وسحبت تلك الحقيبة التي جهزت فيها كل حاجياتي استعدادا لمثل هذا الظرف ، وخرجت أهرول مثل كل الأهالي لا أدري أين أذهب ولا ماذا أفعل ؟؟؟؟ ، ما إن ابتعدت عن البيت قليلا حتي هبطت عليه قذيفة سوته بالأرض هو ومن كان بجواره لحظتها وهكذا شاء الله أن أنجو ربما للمرة الألف ، لم أجد أيا ممن أعرفهم سيخرج من المدينة اللهم إلا بعض العجائز ومعظم الأطفال وهؤلاء لا يقدّرون قيمة ما أحمل وقد يقايضون الحقيبة بما فيها مقابل رغيف من الخبز ، أما بقية من تعرفت عليهم فهم بين شهيد ومصاب قرر أن يموت داخل البلدة مدافعا عنها أو محارب يقف علي الثغور في انتظار أعدائنا وفي انتظار ملك الموت أيضا .

كنت أدور في الأزقة بين البيوت المتهدمة ساعيا للخروج إلي الميدان الرئيسي حين وجدتها أمامي بين الأطلال ضاحكة لاهية بتلك الدمية الممزقة وبجوارها ودون أن تشعر يد انسان تغطيها الدماء يظهر أنها امرأة من الحلي في أصابعها ، لا أحتاج للكثير من الذكاء لأفهم أن أبويها قد دفنا تحت تلك الحجارة - جراء القصف الوحشي الذي بدأ بعد أذان الفجر - وأن تلك اليد هي لأمها ، ما جذبني هو أنها كانت في عالم آخر غير ذلك العالم الذي نحيا فيه تلهو وكأنه لايعنيها تلك الأصوات الرهيبة التي تنطلق بين ثانية وأخري ، كنت أهم بالذهاب وبتركها تلاقي مصيرها وبعد أن خطوت خطوات قليلة لم يطاوعني قلبي فعدت وحملتها بين يدي وهي لاتزال متشبثة بدميتها ، كنت أعرف ذلك البيت فهو لذلك الحداد الذي تركنا وقال أنه سيذهب ليري ابنته الصغيرة وزوجته ويعود قبل شروق الشمس ولكنهم لم يمهلوه مزيدا من الوقت فقد بدأوا هجومهم مع أصوات أذان الفجر الأولي وكأنها إشارة البدء بالنسبة لهم .

وقفت حائرا أستند إلي أحد الجدران لا أدري ماذا أفعل ، إن تركتها هنا فإن لم تمت من تلك الحمم التي تصبها الطائرات فوق رؤوسنا فقد تموت جوعا وعطشا أو قد يدهسها أحد الساعين إلي الفرار والذاهبين للتحصن بالأطلال ، كانت مشاهد عجيبة مازلت أذكرها ، في البداية كان الكل يضحي من أجل الباقين ، يضحي الرجال حتي الطاعنين في السن منهم بمكان في سيارة تحمل المدنيين لخارج المدينة عسي أن يركب مكانه امرأة أو طفلين أو ثلاثة ، يضحون بما لديهم من طعام وماء من أجل غيرهم ويحاول الأهالي أن يقتطعوا اللقمة من أفواه أطفالهم لأولئك الذين يدافعون عن المدينة منذ أيام عدة مضت دون طعام أو شراب ، وكان الكثير من النسوة أيضا يرفضن الخروج ويصررن علي البقاء ومداواة الجرحي ودفن الموتي ولشد عضد المجاهدين لئلا يستسلموا فيتمكن منهم أعداؤنا ويقعن في الأسر حيث يلاقين الأهوال في المعتقلات .

كانت الصورة تنبأ بكل خير ولكن منذ يومين تبدل الحال بالكلية ، أصبح هم كل انسان نفسه ونفسه فقط ، كان الرجل علي استعداد لأن يقتل أخاه من أجل شربة ماء وكانت الأم تضن علي ولدها بكسرة الخبز فهو في نظرها جسد متهالك في النزع الأخير لن يضيره شئ لو منعت عنه تلك الكسرة التي لاتسمن ولا تغني من جوع .
هزمنا الجوع واليأس قبل أن تهزمنا الطائرات والقنابل ، هزمنا تخاذل من حولنا في نجدتنا ، وهزمتنا تلك المساعدات الضخمة التي يتلقاها أعداؤنا ، وأخيرا هزمنا اذاعة بيانات كاذبة بأنه بإمكاننا أن نتحمل لشهور قادمة دون مساعدات من أحد وأننا نقاتل بلا توقف – وصدقوا في هذا الشطر الأخير – كيلا يتحرك أحد لمساعدتنا .

كنت أقف بها في ساحة الميدان الرئيسي لا أدري إلي أين أذهب وإلي من أشتكي بعد أن خلت المدينة من الناس فهم بين مختبئ يخشي الموت أو مختبئ يطلب الموت ، سكن أزيز الطائرات ولأول مرة منذ يومين وسكنت حركة الناس أيضا وصارت المدينة بحق مدينة للأشباح ، كان ذلك هو ما أرادوه قبل أن يبدأوا الاقتحام بعد أن ظنوا أن قصفهم قد أفنانا عن بكرة أبينا ، لم يكن أمامي خيار سوي أن أبقيها معي ولكن كيف أبقيها وأنا أصاحب الموت في كل خطوة من خطواتي ولا أعرف لماذا لا يضمني إليه ، في كل لحظة أتخيل أنني سأموت وبعد أن تضيق بي الدوائر أجد الموت يتركني مرة أخري ليمسك في أقرب المقربين إليّ ، لدرجة خشيت معها أن أصاحب أحدا آخر فكلهم يموتون إن لم يكن بسببي فهم يذهبون فداءا لي ، كانوا مؤمنين لدرجة كبيرة بما أسجل وأصور وكانوا يتمنون أن يعرف أبناؤهم وأحفادهم يوما الحقيقة هذا إن بقي أحد منهم علي قيد الحياة .

ولكن ماذا يضيرها في هذا ، في كلتا الحالتين هي ميتة ، تعددت الاسباب والموت هو النتيجة النهائية ، حملت الحقيبية علي ظهري وحملت الطفلة بيسراي والسلاح في يميني والذخيرة حول جسدي وسعيت جاهدا للوصول إلي مكمن زملائي إلا أن ذلك استحال في ظل هبوط الليل علينا وفي ظل انتشارهم في كل مكان

علي ناصية أحد الشوارع المسدودة تمركزت وتحصنت بما استطعت من بقايا البيوت والمركبات المدمرة ووقفت أنتظرهم ، كان انتباهي كله مركز علي مدخل الشارع معتمدا أن كون الشارع مسدودا هو تأمين لظهري وحين بدأت الطفلة تتحرك من حولي تركتها فهي آمنة علي كل حال ولن تستطيع الرصاصات أن تصل إليها ، ولكن فجأة ولأول مرة منذ التقيتها بكت الطفلة وبحرقة مما أصابني بالدهشة ، التفت سريعا تجاهها لأجد ذلك الخارج من مدخل أحد البيوت بعد أن أسقطته الطائرة علي سطح البيت – قدرا لا أكثر - فلم يكن أحدهم يعلم بوجودي متحصنا هنا ، وبرد فعل سريع وقبل أن يستوعب ما حدث له ، حيث وجد أمامه فجأة مقاتل وطفلة صغيرة ، رفعت سلاحي وأنهيت حياته برصاصة واحدة لا أكثر .

إذن فقد أنقذت حياتي
نعم . أنقذتني تلك التي كنت أهم بتركها وحدها بين أنياب الموت ، وهكذا أصبحت مدينا لها بحياتي ، لم أكن أطلقت سوي رصاصة واحدة ، رصاصة فتحت أبواب الجحيم علي مصراعيه أمامي فهم ومنذ أن دخلوا إلي المدينة ولأول مرة يسمعون صوت اطلاق للرصاص مع آهة أحد رفقائهم
دافعتهم كثيرا وقاتلت أولئك الذين يهبطون من أعلي ويخرجون من مدخل البيت خلفي وبشراسة وقوة لم يعهدوها قط في رجل واحد ، كل هذا وهي تجلس بجواري تشاهد مايحدث وكأنها تشاهد فيلما للرسوم المتحركة في التلفاز ، عندها تأكد لي أن الطفلة صماء فكل ذلك الدوي كفيل بتحطيم أعصاب أشد الرجال وكفيل بتدمير الجهاز العصبي لأي طفل وجعله يبكي في حالة هستيرية
لم يكف أنها يتيمة بل صماء أيضا .

بينما أنا علي حالي هذا وبينما تنفذ ذخيرتي شيئا فشيئا علا صوت الرصاص خارج الشارع ، ظننت أنهم يزيدون هجومهم ليقضوا عليّ بعد أن أسقطت منهم الكثير دون أن أصاب إلا برصاصة واحدة ولكن بعد قليل تنبهت إلي أن الرصاصات تأتي من خلفهم فقد خرج المجاهدون من مكمنهم يعاونونني ، كنت أعلم أن الله سيثيبني علي ما فعلت معها ، وحين قضوا عليهم وجعلوهم بين قتيل وأسير أشاروا إليّ فخرجت أحملها بين يدي في مشهد استغربوا له كثيرا ، فقد كانت هي الطفلة الوحيدة في المدينة المتبقية علي قيد الحياة .

بكلمات مقتضبة أفهمتهم ما حدث وأفهموني أنهم قرروا البحث عني وتوفير ممر آمن لي للهروب والخروج بما أملك كي أعلم الناس بالحقيقة وكي أجلب المساعدات ، كنت رافضا وبشدة ولكن بعد جدال صغير أقنعوني وأفهموني أن هؤلاء الذين أشتبكت معهم لفترة طويلة كانوا فرقة استطلاع وأن الهجوم الكامل سيكون قرب منتصف الليل ولا بد من المزيد من المساعدات ، ودعتهم بعيون تذرف الكثير من الدموع وخرجت أرافق واحدا ممن يعرف طريقا للهروب من هذا الجحيم
عندما وصلت للمستشفي في ذلك المخيم الآمن كنت في حالة يرثي لها بعد أن نزفت الكثير من الدماء ، بمجهود كبير استطاعوا أن ينتزعوا الطفلة النائمة - والمتشبثة بي وبدميتها - من أحضاني وحين سألتني تلك المرأة التي يظهر عليها الإرهاق عن من أكون ومن الطفلة ؟؟؟
أخبرتها أنها ابنتي
وسجلتها باسمي .

كان هذا هو أقل مايمكن أن أفعله لها أن أنسبه لي ، وأن أربط مصيرها بمصيري إلي الأبد ، فكما أبقيتها معي كي نموت معا وكانت هي السبب في نجاتي فقد قررت أن أحيا معها وتحيا معي وأن تجعلها ذات شأن تكمل ما بدأته أنا ، لن أعود لجلب المساعدة للمجاهدين إلا وهي معي ولن أتحرك إلي أي مكان إلا وهي بجواري ، لو قدر الله لي سأعود مرة أخري إلي المدينة أدافع عنها وأمنعهم من أن يهنأوا فيها بلحظة سلام واحدة وسأعود أصور وأكتب كل مايحدث ولكنها لن تفارقني قط
سأمنحها كل ما تطلب وما تريد وسأفديها بحياتي إن تطلب الأمر .
والأهم أنني لن أجعلها تحمل ذلك اللقب الذي يحمله مئات الأطفال في المخيم
وآلاف الأطفال في جميع أنحاء البلاد
لقب ...........
يتيمة