الواقفون خلف الجدار
أربعة رجال وخامستهم امرأة ، ليسوا من أهل تلك البلدة التي أصبحوا يسمونها مؤخرا المدينة الملعونة ، أجسام قوبة تبرزمواضع القوة فيها من أسفل ثياب سوداء ضيقة تصف ماتحتها وبدقة تشبه الي حد كبير تلك التي يرتديها أبطال المهام المستحيلة في أفلام السينما الهوليودية الا أن مايفعلوه هو واقع يلمسه كل من حولهم وليس مجرد خدع بصرية مبهرة ، حتي المرأة كانت مثلهم الا أنها زادت عليهم حجابا ومعطف مطر جلدي لامع يعكس الضوء ويبهر العيون ، كل منهم كان يرتدي نظارة سوداء تخفي جزء من معالم وجهه وتخفي أيضا عيون تشع بريقا عجيبا ينم عن ذكاء حاد وتحد كبير لأي خطر وقلوب لاتعرف أي معني من معاني الخوف .
منذ هبطوا الي تلك المدينة وهي لا تعرف النوم أبدا ، الدمار يشمل جميع الأماكن والموت أصبح هو الضيف الدائم المقيم في تلك البلدة دون سواها ، مواجهات دامية خرجوا منها جميعا منتصرين ، أصبح أعدائهم يخشون الاقتراب منهم وان لم يتوقفوا عن رد هجماتهم حفظا لماء الوجه لا أكثر فهم أصبحوا بعد مرور الوقت علي يقين تام بأنهم يواجهون فريقا من شياطين الجحيم ذو قوة خارقة وكأنهم من عالم آخر لابشر من لحم ودم ، لدرجة ان وصل بهم الأمر لمحاولة ضمهم لصفوفهم بأي مقابل يطلبون فهم مكسب لأي فريق ينضمون له .
أربعة رجال وخامستهم امرأة لم يكن ليوقفهم سوي الموت الذي يخيل للناظر أنه حتي الموت يخشي الاقتراب منهم ، عرفوا طبائع عدوهم وخبروا أساليبهم جيدا ولم يكن أمامهم سوي أن يألفوا سفك دماء أولئك الذين هم أكبر مصائبنا في هذه الدنيا ، أفعال لاتحصي قاموا بها ضد من جاءوا من أقصي الأرض ليحتلوا الأرض ويسرقوا خيراتها ، كثير مما فعلوه نسبه غيرهم لنفسه الا أنهم لم يكونوا يهتموا بهذا ، الله وحده يعلم أنهم ماظلموا أحدا ولاقتلوا مسلما قط ولا حتي عن طريق الخطأ وأكثر ماكان يؤلمهم هو تلك العمليات التي يقوم بها الغزاة ضد المدنيين انتقاما منهم وان كانوا يعودون في كل مرة ليردوا بعنف ويأخذوا بثأر كل من قتل علي يد هؤلاء الظالمين .
لا احد علي وجه العموم يعرف أين يقيمون فهم يظهرون فجأة ويختفون فجأة أيضا دون أدني أثر ودون أن تستطع التكنولوجيا الحديثة أن تتعقب ولو خيط صغير يدل علي أي منهم ، الخونة والعملاء لا وجود لهم هنا علي الاطلاق فقد شنقوا جميعا علي أسوار المدينة في ليلة عاصفة لم يجرؤ أحد فيها علي الخروج من بيته اتقاءا للرياح العاصفة والصخور الصغيرة المتطايرة التي تكاد تخترق الجدران من سرعتها ولا أحد يعلم كيف خرجوا هم وفعلوها حتي أن أناس كثيرين أصبحوا يجزمون بأنهم ملائكة من عند الله جاءوا لتثبيت المجاهدين من أهلها والذين كان فريق الجحيم الخماسي يساعدهم مساعدات ضخمة .
في زمن قصير أصبحوا أسطورة ضخمة في طول البلاد وعرضها وليس فقط في تلك المدينة التي اشتهرت فيما مضي بأفعال تشبه كثيرا مايقومون به الا أن فارق العدد هنا هو ما يفرق بين هذه المعارك ومثيلاتها قديما ، البلاد التي استسلمت منذ زمن لتلك الأوضاع المهينة والتي تقلص فيها تعداد المجاهدين لأقصي قدر ممكن وسيطر اليأس علي نفوس الكثيرين من اماكنية قيام كيان يقف أمام المحتلين دب فيها الأمل من جديد ، وانتظرت الشرارة التي توقد النار من جديد لتقوم العنقاء من رقدتها الطويلة تكتسح كل مايمكن أن يقف في طريقها دون توقف .
كان للمرأة أهل في البصرة وكانت هي الوحيدة بينهم من أهل البلاد وحين اندلعت الاشتباكات الدموية فجأة بدون سابق انذار بين قوي الشيعة المختلفة في معارك طاحنة راح ضحيتها المئات من الجرحي والقتلي في أيام معدودة كان عليها أن تسعي لانقاذهم ةهي بالطبع لن تتحرك وحدها بل كانوا دائما يتحركون كوحدة واحدة ، خمسة أجساد تتحرك كما لو أن عقولهم متصلة برابط خفي يجعلهم يجمعون أمرهم علي أي أمر في لحظة واحدة دون تبادل للكلمات أو الاشارات ، حين وصلوا لمشارف البصرة كانت جحافل كثيرة من أهلها ينهبون الأرض بسرعة كبيرة ساعيين للخروج من ذلك الجحيم الذي فتحت أبوابه بين عشية وضحاها .
مشهد غريب ذلك الذي وقفوا فيه لو قدر لأبدع كاتب أن يصفه لما استطاع من هول ماسيراه مما تعجز الأقلام عن وصفه ، آلاف الأجساد المتلاحمة تتحرك في اتجاه واحد حيث الطريق الذي يخرج بهم لخارج البلدة وفي عكس اتجاههم قرر خمسة أفراد أن يشقوا الصفوف ليعبروا الي الجانب الآخر حيث تنتظرهم مفاجآت لاحصر لها ، وأخيرا استطعوا أن يفعلوها ويتجاوزوا كل ذلك لا تسل كيف فعلوها فذلك هو دأبهم كلما أردوا شيئا .
حين وصلوا للداخل تأكد للمراقبين أن مايحدث في المدينة منذ خمسة ايام ماهو الا قطرات الندي التي تسبق هطول الأمطار ، أو السكون الذي يسبق الاعصار ، ماحدث في خمسة أيام شئ وما حدث في يوم وليلة شئ آخر ، لكن هذه المرة تختلف ، في المرات السابقة كان كل شئ معد اعدادا كافيا بما يضمن النصر الذي يأتي بعد قتال دموي ، أما هذه المرة فقد سقطوا في فخ لم يتوقعوه ، بل لو شئنا الدقة فلم يكن أحد أعد له من قبل ، ففي لحظة وجدت جميع الأطراف المتشاحنة أنهم خرجوا من مناطق نفوذهم واتجهوا حيث يتكتل أعدائهم ودخلوا جحور الثعلبين بأرجلهم وكان عليهم أن يتحملوا .
ففي أقل من يوم واحد اجتمع عليهم القاصي والداني ، ومن كل حدب وصوب جاء كل من وصله النداء بأنهم محاصرون في البصرة ، الأيام القليلة التي كان ينتهي فيها الصراع لصالحهم طالت ، وملامح المعركة التي كانت تتضح منذ البداية اختفت ، الأحداث سجال بينهم وبين أعدائهم ، كثر العدو وتوحدت قواه ، الشيعة الساعيين لضرب أكبر داعم لمجاهدي السنة في البلاد ، والمحتلون الذين ذاقوا الويلات علي أيديهم ، والمرتزقة الذين نالوا حظا وارفا من هجماتهم ، وأخيرا مجموعة من الخونة من أهل البلاد حاولوا استغلال الأوضاع التي تمر بها بالتعاون مع المحتل أو حتي دعم الشيعة في معاركهم ضد السنة ، ، كل هؤلاء اجتمعوا عليهم وسط تخاذل من أهل البلاد الذين دعمهم الخمسة طويلا ، أما هم فقد تفرقت قواهم بعد أن تفرقوا في اتجاهات مختلفة ليحاربوا علي جبهات متعددة في محاولة لاستعادة مقاليد الأمور .
الطبيعة التي تجري بها الأحداث لاتفرض سوي قانون واحد أنه لايمكنك أن تأمن علي حياتك الا اذا كنت متيقظا طوال الوقت فالغفلة ولو لوقت ضئيل قد تفقدك كل شئ فلامجال هنا للأخطاء أي أخطاء مهما بدت صغيرة ، وكان هذا هو الخطأ الذي وقعوا فيه والقانون الذي تناسوه في خضم الأحداث ، فلك يحسب أي منهم حساب أن يتوحد أعدائهم الذين كانوا منذ أيام قليلة يتطاحنون فيما بينهم ، لم يستعدوا كفاية كعادتهم كلما خرجوا للقتال ، ولم يستسلموا أبدا كما تعودوا دائما ، ولكن في النهاية هم بشر لأجسادهم قدرات معينة قد يضغط المرء أحيانا علي نفسه ويحملها مالا تطيق ولكن في النهاية لابد وأن تعود لطبيعتها الأرضية .
أيام طويلة من القتال يواصلون الليل بالنهار واليوم بالذي يليه ن لا أحد يعرف متي ينامون ولا كيف يستريحون ، هم أيضا لم يكونوا يعرفوا متي سينامون ولا كيف سيستريحون ففي كل مكان لن تجد سوي الموت ينتظرك فاتحا ذراعيه ، الأيام تمر والذخيرة تنفذ ، والقدرات اللامحدودة التي تفوق قدرات البشر ذاصبحت تخبو شيئا فشيئا ، وحين وقفوا خلف ذلك الجدار مجتمعين لأول مرة منذ دخلوا البصرة تأكدوا أنها النهاية وتأكدوا أن ماخرجوا يطلبونه منذ البداية هم علي وشك الحصول عليه ، نظروا لبعضهم نظرة صحبتها ابتسامة خفيفة وكأنهم يودعون بعضهم علي أمل الملتقي في القريب العاجل ، لم يكن أحدهم يعلم أن أخبارهم تتسرب لحطة بلحطة للخارج وأن مافعلوه أو مافعل بهم كان هو الشرارة التي أشعلت نيران الثورة في كافة أنحاء البلاد .
أخيرا قامت العنقاء من جديد تنفض عن نفسها رماد اليأس وانطلقت توحد كلمة المجاهدين علي كلمة واحدة ، المدن المستسلمة والنائمة في بحر الغفلة استيقظت وعادت لها الحياة من جديد ولكن حين عادت للحياة كانوا هم يودعونها ، وحين أحاط المجاهدون بكل الأطراف المتحاربة في البصرة كانوا قد التحقوا هم بركب الشهداء ، زكعادتهم أصروا الا يفارقوا الدنيا دون لغز جديد ، فالمجاهدون وبعد أن استطاعوا أن ينتصروا علي من أذلوهم طويلا لم يجدوا أثرا لأجساد الخمسة ، لم يجدوا سوي الدمار الكامل لكل شئ والمئات من الجثث لأعدائهم وأخيرا ذلك الجدار الذي كان آخر ماوقفوا عنده والذي وجد عليه فيما بعد الأحرف الأولي من أسمائهم ، أما هم فقد اختفوا - ولكن هذه المرة بلا عودة – 6مخلفين ورائهم أسطورة لن ينساها من شهدها وقد لا يصدقها من يسمعها .


3 comments:
أول تعليق
بحجز مكان بس
ليا عوده علشان اقرا
أرجو عندما تعود
تحل الألغاز
يعني مش يختفوا وينجوا من الحاجات دي ومنعرفش ازاي
عايزين حلول للألغاز
علشان نعيش كل لحظه
متابعون
ماقدرش اكشف ايه اللي حصل والا الموضوع فقد عامل التشويق
النهاية مفتوحة كل واحد يتخيل النهاية حسب ما يحب
والمهم انهم الخمسة عملوا اللي كانوا عايزين يعملوه
وطبعا بما ان القصة بفضل الله حققت نجاح باهر والناس كلها متشوقة تعرف اللي حصل
وبناء علي كل التعليقات الكتييييييييييييييييييييييير اللي جت انا مش هاكمل الموضوع عشان الناس تفضل متحيرة
جزاكم الله خيرا اختي في الله علي المتابعة
إرسال تعليق